الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
296
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حسنه أنّ المعاد غير مذكور فلا يهتدي إليه بضمير النصب ، بخلاف ضمير الرفع لأنّه كالعمدة في الكلام ، وعلى كلّ تقدير فالضمير عائد على البخل المستفاد من يَبْخَلُونَ ، مثل اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] ، ومثل قوله : إذا نهي السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف ثم إذا كان ضمير فصل فأحد مفعولي حسب محذوف اختصارا لدلالة ضمير الفصل عليه ، فعلى قراءة الفوقية فالمحذوف مضاف حلّ المضاف إليه محلّه ، أي لا تحسبنّ الذين يبخلون خيرا وعلى قراءة التحتيّة : ولا يحسبنّ الذين يبخلون بخلهم خيرا . والبخل - بضم الباء وسكون الخاء - ويقال : بخل بفتحهما ، وفعله في لغة أهل الحجاز مضموم العين في الماضي والمضارع . وبقية العرب تجعله بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع ، وبلغة غير أهل الحجاز جاء القرآن لخفّة الكسرة والفتحة ولذا لم يقرأ إلّا بها . وهو ضدّ الجود ، فهو الانقباض عن إعطاء المال بدون عوض ، هذا حقيقته ، ولا يطلق على منع صاحب شيء غير مال أن ينتفع غيره بشيئه بدون مضرّة عليه إلّا مجازا ، وقد ورد في أثر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « البخيل الذي أذكر عنده فلا يصلّي عليّ » ويقولون : بخلت العين بالدموع ، ويرادف البخل الشحّ ، كما يرادف الجود السخاء والسماح . وقوله : بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ تأكيد لنفي كونه خيرا ، كقول امرئ القيس : « وتعطو برخص غير ششن » وهذا كثير في كلام العرب ، على أنّ في هذا المقام إفادة نفي توهّم الواسطة بين الخير والشرّ . وجملة سَيُطَوَّقُونَ واقعة موقع العلّة لقوله : بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ . ويطوّقون يحتمل أنه مشتقّ من الطاقة ، وهي تحمّل ما فوق القدرة أي سيحملون ما بخلوا به ، أي يكون عليهم وزرا يوم القيامة ، والأظهر أنّه مشتقّ من الطّوق ، وهو ما يلبس تحت الرقبة فوق الصدر ، أي تجعل أموالهم أطواقا يوم القيامة فيعذّبون بحملها ، وهذا كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من اغتصب شبرا من أرض طوّقه من سبع أرضين يوم القيامة » . والعرب يقولون في أمثالهم تقلّدها ( أي الفعلة الذميمة ) طوق الحمامة . وعلى كلا الاحتمالين فالمعنى أنّهم يشهّرون بهذه المذمّة بين أهل المحشر ، ويلزمون عقاب ذلك . وقوله : وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تذييل لموعظة الباخلين وغيرهم : بأنّ المال مال اللّه ، وما من